dimanche, mars 13, 2016

البوعناني، برادة، التازي... اليوبيل الفضي للقاء المستشفى

كان صيف سنة 1991 بمدينة إفران غير عادي بكل المقاييس... كان علامة فارقة في تكويني النفسي و الثقافي و الفني على السواء...
 
فقد حدث ذات صباح... بينما كنت أتجول في أرجاء المخيم العائلي الذي كنا نقيم فيه، وقعت عيني على ـ بقايا ـ الصفحة الثقافية ـ لأحدى الجرائد... صفحتين على الرصيف، يكسوهما التراب و الأوساخ و لا أظن أحدا إكثرت لهما... كانا يحملان أثر أقدام المارة و العابرين لمدة حسبتها طويلة، فالورق إصفر لونه و إهترأ...
نهرتني أمي بشدة عندما هممت ـ بالإستلاء ـ على ذلك ـ الكنز ـ و أمرتني بغسل يدي عشرين مرة تجنبا للإيقاظ حساسية جسمي المتهالك بالمرض آنذاك... كنت شغوفة بالقراءة حد الجنون.... حد قراءة بقايا صفحات بالية...
 
عدت بسرعة إلى مكان الإقامة و إختليت بنفسي تحت ظل شجرة لا زلت أذكرها.... و كان لقاء السحاب الذي لن أنساه ما حييت... لقاء الرائعين أحمد البوعناني كاتبا و محمد برادة مترجما و مقدما لنص ـ المستشفى ـ الصادر سنة 1990
قرأت إبداع أحمد البوعناني العميق و وجدتني في رمشة عين واحدة من أبطال المستشفى، أحببتهم بدون إستثناء و أحببت الكاتب ـ الخائن ـ الذي روى لي حكاياهم المؤلمة... و كثيرا ما سالت دموع عيني حسرة لأني لم أستطع مساعدتهم...
سلبتني رشاقة اللغة و جمالية التصوير... و روح السي أحمد الفائحة بعبق الحب و الأمل... أظنني أعدت قراءة تلك الصفحات مئات المرات ... و لم أمل منها يوما...
أما تقديم السي محمد برادة للسرد فكان يمثل متعة فكرية و إنسانية لا تضاهى في شمولية التحليل... بعيدا عن الأشكال الكلاسيكية المتداولة، جعلني أرتبط بالكاتب و الأبطال ... جعلني أعشق غنى لغتنا العربية و إستقلالية الرؤية الفنية الخلاقة.
 
كان لقاء السحاب بداية أجمل مغامرات حياتي، فكل سطر كتبته بعد ذلك، صار مطبوعا بذلك العالم الخاص للسي أحمد البوعناني... ترسخ في ذهني لدرجة أني قمت برحلة طويلة ـ أشبه بمنفى ـ قبل أن أقرر أن الحب الأول هو الحقيقي الصادق... فبعد رحيله إلى دار البقاء، أحسست برهبة المسؤولية التي أورثني إياها قبل ربع قرن من الزمن.... مسؤولية المستشفى الكبير و نزلائه المساكين....
 
لقاءنا لم يكن صدفة.... في بقايا جريدة مهترئة على الأرض...
تحت شجرة.... قبل خمس و عشرين عاما...
عفوا السي أحمد.... إشتقت إليك.... رحمك الله يا أعز الناس إلى قلبي...

لا زلت أحتفظ ببقايا الجريدة.... بعناية و حب...

Aucun commentaire: