jeudi, juillet 07, 2016

الشابووو الأحمر و غلطة العمر... قصة حقيقية

ذات خميس من شتاء 1987... توجهت للمدرسة الإبتدائية تحت المطر ... و كانت متعة لا تضاهى أن أقبل زخاته مثلما تعودت تقبيل حلوى الميلفاي أو مثلجات أوليفيري... المهم أني أعشق رائحة التراب عند نزول الغيث...
كانت الحصة الوحيدة تلك الصبيحة عبارة عن درس الفرنسية و الحساب مع الأستاذة الفذة الغير عادية ... الأستاذة السرحاني...
ذخلنا القسم بسرعة مذعورين من الرعد و البرق... ننتظر بشغف منقطع النظير معلمتنا المحبوبة... و فجأة، أهلت علينا بتنورة سوداء قصيرة و شابووو أحمر كبير الحجم... بدت بالفعل كنجمة سينمائية من حقبة الأربعينات... تتمشى بخيلاء على طريقة العسكر... لم تضايقها أبدا الأمطار الغزيرة....
توسطت الأستاذة السرحاني حجرة الدرس و سألتنا : كي جيتكوم... شابووو فيه منظر و فيه مظل هههه.... غزالة تبارك الله...
أجبناها طبعا من غير تردد .... نعم أأأأ ستاذة الشابوووو زوين...
مباشرة، أخذت مكانها في مكتبها قرب النافذة و السبورة... و سألتنا مجددا : شكون تفرج لبارح في مسلسل غلطة العمر؟؟؟
واش شفتووو ذاك كمال الشناوي كيف تعدى على ليلى طاهر؟؟؟؟؟ ولاد الحرام، الرجال كلهم فحال فحال... ههههه
لتبدأ مناقشة طويلة فيها أخذ و رد و إستنكار الفعل الشنيع لبطل المسلسل المصري... تطورت لحوار حول التفكك العائلي و غياب الحب و جنون الغيرة....
أنني و دون مبالغة أو إفراط في النوستالجيا، أنظر اليوم بكثير من الإعجاب إلى تلك البيداغوجية المتقدمة/المختلفة في التعليم و التي كانت تنهجها بإقتدار تلك المرأة الرائعة...
كانت ترفض إعطاءنا دروس بالطريقة الكلاسيكية... فهي تفضل إثارة موضوع للنقاش و ترك التلاميذ يعبرون عن ذواتهم بحرية تامة مع إحترام قواعد اللياقة... كانت تعشق المسرح و تقلب حصتنا إلى ورشة لحفظ الأدوار.... و طبعا كانت مخرجة من الطراز الرفيع، عصبية لكن عبقرية...
هذا ما ينمي خيال التلاميذ ويرتقي بكفاءتهم الحوارية بسلاسة بعيدا عن التلقين و الحفظ الأعمى....
.... و فجأة،
طرق المدير صحبة المفتش باب حجرتنا، و ذخلا تعلوهما الدهشة من كمية الأوراق على الأرض، من الشابووو الأحمر الكبير... و مما كنا بصدده من مناقشة بدل الدرس الواجب تلقينه....
صاحت الأستاذة السرحاني بثقة كبيرة مرة أخرى : كي جيتكوم... شابووو فيه منظر و فيه مظل هههه.... غزالة تبارك الله...
إستشاط المفتش غضبا و أخذ المدير يهدئه و يطلب منا إخراج الدفاتر و المقررات... حتى ـ ترجع ـ فيه الروح ـ ... لكنه لم يتحمل و غادر غاضبا...
...
يتبع ههه


3 commentaires:

Anonyme a dit…

أسخف الأشياء التي قمت بها في حياتي هي أني ذهبت سنوات وسنوات إلى المدرسة. لقد كانت المدرسة هي أكبر عقاب لي من الله على أكل آدم للتفاح. كان الصباح يبدو باكرا أكثر من المطلوب، والمطر لم يتوقف طيلة الليل، والبرد يدخل كالحقن في العظام، وعليك أن تستيقظ وتفطر بالشاي المنكه بالشيبة الكئيبة وتحمل على ظهرك حقيبة أثقل من صندوق الخضار وتخرج في العاصفة لتطيرك في اتجاه المدرسة. يا لها من فكرة غير سديدة. ثم في المدرسة تجلس رفقة تسعة وثلاثين تلميذا من الحمقى بينما تكون أنت هو الأحمق رقم أربعين ويكون المعلم هو إله الحمقى والمغفلين. تتعلم هناك باجتهاد كل ما يجعلك في النهاية بيدقا صالحا للتموضع بسلاسة واستسلام على رقعة شطرنج المجتمع والدولة والقانون. إنها سنوات طويلة من العقاب المستمر والانضباط المخيف وكوابيس الامتحانات والحفظ والاستظهار والاستيقاظ باكرا كالجنود الذين من دون رتبة والعودة جائعا ومتعبا وشاحبا كالكلاب الضالة بعد مسافات لانهائية تقطعها ذهابا إلى المدرسة دون معنى واضح ومقنع وجيئة منها دون معنى مقنع وواضح حاملا على ظهرك أسفارا كالحمار لا تعرف ما هي. أكبر إهانة حملتها على ظهري طيلة تلك السنوات هي غباء أن يطلبو منا أن نحمل كتبا بأكملها طيلة السنة ووزن كل كتاب لا يقل عن كيلوغرام بينما في كل مرة لا نقرأ من أي كتاب سوى صفحة واحدة أو نصف صفحة. لا أفهم لحد الآن لماذا عوض اختراع بليد اسمه الكتب المدرسية لا يخترعون اختراعا أقل بلادة اسمه الأوراق المدرسية، بحيث لا يأخذ التلميذ معه في حقيبته التي تشبه صخرة سيزيف سوى الأوراق التي سيحتاجها لدرس ذلك اليوم، عوض أن يحمل داخل حقيبته القراءة كاملة ليحولها إلى جفّاف بعد شهر يحمل معه فقط صفحة قصة الأميرة الصغيرة والحطاب والمساحة الباقية في المحفظة يملؤها بالأحجار وبمقلاع الدوم.
احتجت إلى سنوات طويلة بعد خروجي من سجن المدرسة والتوبة عن العودة إليها، احتجت إلى سنوات طويلة لأتقيأ ما تعلمته فيها، وقد كان التقيؤ أكثر صعوبة وإيلاما من البلع. لكني رغم ذلك كنت كل مرة أدخل سبابتي داخل فمي حتى تلمس بلعومي فأتقيأ المدرسة بطاولاتها ومعلميها ونوافذها المكسورة وطباشيرها الشبيه بالطحين وأناشيدها العسكرية وكتبها الجديدة المغلفة التي تشبه رائحتها رائحة فقدان الوعي ورائحة الصمت والكآبة والموت في المطر ورائحة غرف الإنعاش. لم أرتح إلا بعد أن تقيأت كل شيء. عندها فقط ارتحت وعادت إلي الحياة والحرية والرغبة في المعرفة، فأحسست بجوع رهيب تجاه القراءة الحرة الممنوعة، وأصبحت عندي مكتبة في البيت.
وقفت ذات مرة أمام مكتبتي وتساءلت: بما أن الكتب تأتي حتى البيت، إذن لماذا كان علينا الذهاب إلى مدارس ليس فيها مكتبات؟ أجبت بصوت مرتفع: أولاد الـ.. لقد قولبونا..

Lalla Nisrine Tazi a dit…

النظرة السلبية التشاؤمية لا زالت حاضرة و مسيطرة، التركيز على السلبيات بلغ مداه... نقمة على الماضي و تشبيهات لا تعرف مصافحة الرضا و الجمال... أو حتى محاولة لإقتباس نقطة بيضاء من هالة السواد و لكأنك ـ الوحيد ـ الذي سخط عليه القدر و خاصمه الفرح...
التصالح مع الماضي أريح... الجحيم ليس دائما ـ هو الآخرين ـ ... الجحيم أحيانا يكون نظارات سوداء تلون العالم الجميل بأسره... فقط في مخيلتنا... حتى نصدق أنها الحقيقة...
الله خلق الحياة و النعيم... و نحن نستحق!

Anonyme a dit…

كيف أشرح لكم أني عدمي إلى درجة لا يمكن تصورها، ويائس من كل شيء منذ سنوات طويلة، ولا أطمح إلى أي شيء، وليس عندي رغبة في معرفة المزيد عن هذه الحياة، ولا في الحكمة نحو أي شيء، وأعيش حياتي التافهة الباقية هنا في غرفة صغيرة تغلق بمفتاحين كعجوز متقاعد بعيدٍ جدا عن ذكرياته وعن أحفاده. كيف أشرح لكم أني أريد فقط أن أكتب قليلا من القصائد الصغيرة الشبيهة بدُوريّات حيطان حيّي المحفرة، وبضحكات أصدقائي الذين غرقوا باكرا في النهر، وبالتماعة حزن النجوم البعيدة في نظرات حبيبتي. هل هذا كثير الذي أطلبه منكم يا أصدقائي ؟ هل كثير أن أكتب وأعطي كلماتي للريح لتذروها بعيدا كقش بلا حصاد؟ هل كثير ألا أطلب أي شيء؟ وألا أنتظر أي شيء؟ وأن أذهب في المساء وحيدا بين الناس، بلا اسم، كنملة بين النمل، مستمتعا بضجيج الباعة والبراحين والآذان، في زحام السويقة، في مدينة بلا تماثيل للشعراء.
هل كثير أن أكون وحيدا ويائسا من كل شيء وعدميا ولا تدهشني القصائد والحديث عن الشعر والشعراء والدواوين بقدر ما يدهشني ذَكَرُ الوزغ على أسوار شالة؟
هل كثير أن تكون قصائدي صغيرة ومجانية ككوب ماء يقدّم مع الدواء؟
هل كثير أن تذهب نظراتي الحزينة كل مساء مع بهجة سرب سنونوات القلعة، ولا تعود؟
كيف سأشرح لكم أشياء لا تشرح بكلمات فانية؟ وماذا سأفعل لكم إن أحب العابرون عصافير الدُّورِي، وعشقوا التماعة حزن النجوم البعيدة في عيون حبيباتهم؟ ماذا أفعل لكم إن ظن العابرون قطع خبز يابس مباركة ملقاة على الرصيف قصائد، جمعوها بنظراتهم، ووضعوها في يدي، بعد أن قبّلوها بقداسة، ماذا أفعل لكم أنا؟